الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

108

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

لمضمونها من توقع ضيق ذرع موسى عن قبول ما يبديه إليه ، لأنه علم أنه تصدر منه أفعال ظاهرها المنكر وباطنها المعروف . ولما كان موسى - عليه السلام - من الأنبياء الذين أقامهم اللّه لإجراء الأحكام على الظاهر علم أنه سينكر ما يشاهده من تصرفاته لاختلاف المشربين لأن الأنبياء لا يقرون المنكر . وهذا تحذير منه لموسى وتنبيه على ما يستقبله منه حتى يقدم على متابعته إن شاء على بصيرة وعلى غير اغترار ، وليس المقصود منه الإخبار . فمناط التأكيدات في جملة إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً إنما هو تحقيق خطورة أعماله وغرابتها في المتعارف بحيث لا تتحمل ، ولو كان خبرا على أصله لم يقبل فيه المراجعة ولم يجبه موسى بقوله : سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً . وفي هذا أصل من أصول التعليم أن ينبه المعلم المتعلم بعوارض موضوعات العلوم الملقنة لا سيما إذا كانت في معالجتها مشقة . وزادها تأكيدا عموم الصبر المنفي لوقوعه نكرة في سياق النفي ، وأن المنفي استطاعته الصبر المفيد أنه لو تجشم أن يصبر لم يستطع ذلك ، فأفاد هذا التركيب نفي حصول الصبر منه في المستقبل على آكد وجه . وزيادة مَعِيَ إيماء إلى أنه يجد من أعماله ما لا يجد مثله مع غيره فانتفاء الصبر على أعماله أجدر . وجملة وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً في موضع الحال من اسم ( إن ) أو من ضمير تَسْتَطِيعَ ، فالواو واو الحال وليست واو العطف لأن شأن هذه الجملة أن لا تعطف على التي قبلها لأن بينهما كمال الاتصال إذ الثانية كالعلة للأولى . وإنما أوثر مجيئها في صورة الجملة الحالية ، دون أن تفصل عن الجملة الأولى فتقع علة مع أن التعليل هو المراد ، للتنبيه على أن مضمونها علة ملازمة لمضمون التي قبلها إذ هي حال من المسند إليه في الجملة قبلها . و ( كيف ) للاستفهام الإنكاري في معنى النفي ، أي وأنت لا تصبر على ما لم تحط به خبرا . والخبر - بضم الخاء وسكون الباء - : العلم . وهو منصوب على أنه تمييز لنسبة الإحاطة في قوله : ما لَمْ تُحِطْ بِهِ ، أي إحاطة من حيث العلم .